في تعليقه على رواية "حلم العم" قال دوستويفسكي: "كان همي الوحيد حين كتبت في سيبيريا هذه الرواية الأولى بعد المعتقل أن أستأنف حياتي الأدبية، وكنت خائفًا من الرقابة خوفًا كبيرًا، لذلك جاءت وجلة كحمامة، بريئة براءة تامة من الممكن أن تصنع منها مسرحية هزلية". هكذا كانت رواية حلم العم، كأنما أراد دوستويفسكي أن يبتعد عن تصوير حالة الفقر والبؤس والنفوس الطيبة عن طريق رواية تصوّر حياة الأرستقراطية الروسية بصورة هزلية. فالشخصية الأساسية: "العم" هو أمير أرستقراطي روسي مفتون بالغرب، يعرف أوروبا الغربية أكثر مما يعرف روسيا، ويريد أن يتزوج من كونتيسة فرنسية. تدرك مجموعة من نساء الأرستقراطية الروسية شغف الأمير، وتدور منافسة على من منهن ستزوجه من ابنتها. وتدخل السيدة الأشهر في المدينة المنافسة وتقرر فجأة أن تزوج الأمير من ابنتها زينا الفتاة الجميلة. ترضخ الفتاة لرغبة أمها، وتفتنه لأنها غنّت أغنية فرنسية وهي تعزف على البيانو. إن دوستويفسكي حين صوّر هذه الشخصية إنما قدّم للقارئ صورة كاريكاتورية للأرستقراطية المنحلة المفتونة بحب الغرب. وسنرى نظيرًا لهذه الصورة الكاريكاتورية، بمزيد من السخرية اللاذعة، في رواية "الشياطين".
-
في هذا العمل لن يجد القارئ قصّة يتابع أحداثها، بل هو أقرب إلى أن يكون كتابًا أراد منه دوستويفسكي أن يعبّر عن أفكار ونظرة إلى الحياة من خلال شخصية سلبيّة لإنسان يمتلئ قلبه بالمرار والاحتقار للناس ولنفسه.
لقد قيل عن هذه الرواية إنها تعبّر عن تيار تشاؤمي عرفه القرن التاسع عشر من أبرز أعلامه نيتشه وكيركجارد وشوبنهاور، فنرى البطل يهاجم نظريات الأخلاق والمنفعة والمصلحة والنظريات الوضعيّة والمادية التي راجت في ذلك الزمان.
لقد كتب دوستويفسكي هذه الرواية على قسمين، القسم الأول منها ليس إلا نوعًا من حديث الانسان مع نفسه، أو هو نوع من الاعتراف، فيقول: أنا رجلٌ مريض.. إنسان خبيث... لست أملك شيئًا مما يجذب ويفتن. وفي هذا القسم يغلب الجانب الفكري الفلسفي. فهو يرفض الوقوف حتى أمام جدار العلم، فيرفض قبول أن 2×2=4، فيقول: فيمَ تعنيني قوانين الطبيعة والرياضيات إذا كانت هذه القوانين لا ترضيني ولا تعجبني؟ إنني أرفض أن أُذلَّ أمام هذا الحاجز.
أما في القسم الثاني، فنراه يدخل إلى عالم الأدب والشعر من خلال تعليقات على بعض الأعمال، وعلى عالم الوقائع من خلال نظرته لمجتمعه، ومن خلال علاقة مع بائعة هوى تظن واهمة أنه سيخلّصها من التردّي الذي ينتظرها.
-
رجل من المجتمع الراقي في العاصمة، يصل ذات يوم إلى مدينة في الأقاليم، فيغازل امرأة موظف مسن محدود الدخل، فلا يلقى في إغوائها عناء.. ويعود الرجل المغوي إلى العاصمة، وتموت المرأة، ولا يبقى سوى المغوي والزوج. ويطّلع الزوج على ما حصل بين الرجل وزوجته حين تقع بين يديه رسائل مرسلة من زوجته المتوفاة. إن ما صوره دوستويفسكي في هذه الرواية، هو المواجهة بين الشخصين، الزوج والعشيق.. مواجهة بين نوعين من الرجال: زوج أبديّ، يعيش مع امرأة، ورجل يغوي النساء ولكنه لا يعيش مع امرأة.. بل هو متوحّد ومنعزل.. أما المرأة فلا يملكها أي منهما. وهذا هو الظرف الإنساني الذي نراه في مرآتهم جميعًا. ها هو المغوي يشعر نحو "الزوج الأبدي" بشفقة يمازجها احتقار ويقول عنه "إن إنسانًا كهذا إنما يولد ويكبر لا لشيء إلا ليتزوج ويصبح تتمة لزوجته." لكن دوستويفسكي يجعل حياة الشخصين تتقاطع، كأن هناك نوعًا من المغناطيسية تقرّب أحدهما من الآخر. حتى إن الزوج يصطحب غريمه ذات يوم إلى خطيبته الجديدة.. وهنا نرى المغوي كأنما يحركه شيطان، فيفتن الفتاة..
-
في العام ١٨٦٢، قام دوستويفسكي بأول رحلة له إلى الخارج. فمر بألمانيا ووصل إلى باريس، حيث لم يمكث فيها إلا عشرة أيام، ثم سافر إلى لندن لمدة أسبوعين، عاد بعدها إلى باريس ثانية، فقضى فيها أسبوعين آخرين، ثم تركها إلى جنيف مارًا بمدينة بال. وفي جنيف التقي بصديقه نيقولا ستراخوف، فزار الصديقان إيطاليا معًا. وقد كتب ستراخوف بعد ذلك يقول: "لا الطبيعة ولا المباني ولا آثار الفن كانت تعنيه، فإنما كان ينصرف انتباهه كله إلى الناس." إن هذا الغائص العظيم إلى أعماق النفوس يوجه انتباهه كله إلى البشر في الشوارع وفي المسارح وفي المقاهي. إنه يحاول أن يفهم سيكولوجية كل شعب أثناء هذه الرحلة الخاطفة التي استغرقت نحو شهرين.
وعندما نشر دوستويفسكي هذه "الذكريات" لم يتحدث فيها عن رحلته إلا قليلًا، وإنما هو يستخدم هذه الرحلة ليعرض آراءه في تاريخ روسيا وفي وضعها، وليتهكم على البلاد التي مر بها، ليتهكم على ألمانيا وإنجلترا، وعلى فرنسا خاصةً، حيث يستهل الكلام عنها بجملة قالها فونفيرين، وهي أن "الفرنسي محروم من العقل، ولو أوتي عقلًا لعدّ ذلك أكبر شقاء يصيبه". ثم لا يذكر إيطاليا أو سويسرا بخير أو شر.
رواية "العذبة" واحدة من أشهر أعمال دوستويفسكي، حيث نجده يغوص في النفس البشرية لرجل يقف أمام جثة زوجته. ويأخذنا إلى ماضي العلاقة بين رجل تصرّف بقساوة مع امرأته، حتى لم يعد ينفع تراجعه الذي لم يعلنه لها، فانتحرت.
-
كتب دوستويفسكي قصة "البطل الصغير" وهو في سجن منفرد بقلعة بتروبافلوسكايا. وبعد ذلك بزمن طويل قال لصديقه: حين وجدتني في السجن قدّرت أن هذه هي النهاية، ولكنني لم ألبث أن هدأت هدوءًا تامًا على حين فجأة. فماذا فعلت؟ كتبت قصة "البطل الصغير". اقرأ هذه القصة! هل تجد فيها شيئًا من غضب أو حنق أو ألم؟ كنت وأنا في سجني أحلم أحلامًا هادئة، طيبة، حلوة، عذبة، وكلما طال بقائي في السجن، ازداد حالي تحسنًا" إن هذا التناقض بين الزنزانة الرطبة مع الانتظار الطويل لصدور الحكم، وبين الأحلام الهادئة والذكريات المضيئة المشرقة لهو ظاهرة نفسية نادرة. وقد علل دوستويفسكي هذه الظاهرة قائلًا: "إن في طبيعة الإنسان حيوية مدهشة! حقًا ما كان لي أن أصدق أن الإنسان يملك مثل هذه الحيوية ولكنني أعرف الآن ذلك بالتجربة". "لقد انتهت طفولتي". ما أروع وصف دوستويفسكي لهذه العواطف التي تضطرم في قلب فتى ملتهب! إن الأسطر الأخيرة من هذه القصة التي كتبها دوستويفسكي قبل نقله إلى المعتقل في سيبريا لهي من أصفى ما خطه قلمه من أحلام رومانسية. إنها وداع للشباب قبيل الآلام التي ستكشف له عن قوة الشر في أعمال النفس الإنسانية. هذه الروح الرومانسية تجمع معظم ما ضمته هذه المجموعة من القصص.
-
مع الجزء السادس من هذه الموسوعة يختتم د. الهادي التيمومي ما وعد به منذ ان نشر الجزء الأول في 2019حول (موسوعة " الربيع العربي" في تونس2010-2020)
يحدثنا في هذا الجزء عن حكومة الشاهد و"التدمير الاجتماعي المعمم" الذي أخذ أبعد المدى، وهو يبيّن ما آلت إليه حالة تونس بعد عشرية ساخنة متقلبة، كما يتابع ما فعلته حكومة الشاهد في ظلّ مواصلة النهضة ومن معها لسياسة التمكين، و"عودة البورجوازية مزهوة باسترجاع أنفاسها وهي غير مستعدة لضخ جرعات اجتماعية"، وفي ظل تمسّك الطبقات الشعبية بمواصلة الرغبة في التثوير رغم مآلات التفقير الشاملة والمتوالية.
هكذا تعمّقَ التدمير الاجتماعي المعمّم مع حكومة الشاهد ووصل " الربيع العربي" الى منتهاه لأنه كما قال محمد الناصر "سارع المنتصرون في انتخابات 2011 بالاستحواذ على السلطة لخدمة مصالحهم العاجلة ومصالح أنصارهم... لقد اعتبروا السلطة ... بمثابة الهِبةِ من السماء والغنيمة الحزبية...لقد نظموا أنفسهم للاحتفاظ بتلك السلطة أطول وقت ممكن".
وهو ما مارسه هؤلاء المنتصرون طيلة عشرية انتهت مع حكومة الشاهد.
في ختام هذه الموسوعة يلخص الكاتب أهم المعوقات ويقترح علينا اقتراحات يحاول بها فتح آفاق لتجاوز أزمة طالت وتعقدت واختلّ فيها التوازن الاجتماعي وتلاشت سلطة الدولة طيلة العشرية.
-
في العام ١٨٦٢، قام دوستويفسكي بأول رحلة له إلى الخارج. فمر بألمانيا ووصل إلى باريس، حيث لم يمكث فيها إلا عشرة أيام، ثم سافر إلى لندن لمدة أسبوعين، عاد بعدها إلى باريس ثانية، فقضى فيها أسبوعين آخرين، ثم تركها إلى جنيف مارًا بمدينة بال. وفي جنيف التقي بصديقه نيقولا ستراخوف، فزار الصديقان إيطاليا معًا. وقد كتب ستراخوف بعد ذلك يقول: "لا الطبيعة ولا المباني ولا آثار الفن كانت تعنيه، فإنما كان ينصرف انتباهه كله إلى الناس."
-
هو كتاب حول الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان تاريخا و اهتمامات ونضالات، و هو يختلف عن الكتابات المنشورة في هذا الباب سواء منها
تلك التي لها طابع أكاديمي أو صحفي. فهو من جهة يحاول أن يجيب عن أسئلة تهمّ كل
قارئ: ماهي الرابطة ؟ ما تاريخها؟ ما قضاياها؟ بماذا تفيد الناس؟ و كيف هي
تختلف عن منظمات أخرى؟ لماذا هي منظمة ليست مفتوحة للجميع؟ أهي نخبوية
أم هي مفتوحة للمناضلات المؤمنات دون غيرهم و المناضلين المؤمنين دون غيرهم؟
وهو من جهة ثانية كتاب يساعد المهتمين بالحقوق و الحريات داخل الرابطة وخارجها كما يساعد المناضلين الجدد و القدامى المتابعين لتاريخها من الرواد و من الشباب المقبلين على العمل الحقوقي حتى يجدوا إجابة عن أسئلة من نوع ثان أصبح أغلب هؤلاء يطرحونها:
هل تطورت الرابطة في محاور نضالاتها؟
هل واكبت حاجيات الانسان و الفرد المتغيرة باستمرار في تحصيل حقوقه؟ هل
استطاعت أن تعمل باستقلالية عن التكتلات السياسية؟ هل ضمنت عناصر الحوكمة والاستقلالية في عملها؟ وهل طوّعت نضالها لحاجيات الفرد و المجتمع في تونس؟
يحاول ابراهيم بن صالح المناضل الحقوقي في صلب الرابطة منذ نشأتها و عضو
هيئتها المديرة الحالية أن يجيب عن هذه الأسئلة و تلك في كتابه هذا، من خلال
محاور جامعة و بالاعتماد على وثائق وشهادات ذات دلالات متفرّدة.
-
في رواية " أشياء"يدمن أفراد عائلة مشتتة يعانون من الوحدة، يعمق الادمان وحدتهم، وتتعمق محنتهم. لقد اصبحت " الأشياء" سيدة أبطال الرواية تسود عالمهم حتى نخال أن الأشياء ذاتها هي الأبطال في الرواية.كـنت سجـينةَ صندوق خشبيّ مُعـتمٍ لسنوات طويلة. ولكنّ ذلك لم يُبطل إيماني بأنّني منذورة لغاية عظيمة: «أنْ أعكس على سطحي أملَ الأرواح البائسة في الخلاص، أنْ أكونَ الخلاص». كان ذلك إلى حدود البارحة. لم أكن أعرف بعدُ حجم الفظائع التي مرّت بهذه العائلة، حيث انـتهت رحلتي العجيبة. ورغم كلّ معارفي التي مكّنَـتني من فضح أكثر زبائني تكتّمًا، فإنّ الأحداث المتسارعة التي ضبطَتْ وَقْعَهَا أشياءُ خارقةٌ تجاوزَتْ بصيرتي. وها أنا ذا، في أكثر غرف هذا البيت غموضًا، حيث تـتراصّ ألغاز سكّانه غريبي الأطوار وأسرارهم، أسترجع ما حصل منذ بداية هذه الرحلة إلى أن استقررتُ في قصّة البارحة التي لا تُصدَّق، لأكتـشف في النهاية أنّني كنت في منتهى السذاجة. -
ظلت هاجر تسعى لاهثة. يعيق الرمل خطواتها، وتلهب الشمس وجهها. لا بدّ أن تصل قبل الغروب. ستتيه إن تأخّرت. الأرض أمامها منبسطة جرداء ولا شيء يلوح في الأفق، والشمس الرهيبة تصبّ لهيبا يحرق وجهها وعينيها. أحسّت بالعرق يسري مع عمودها الفقري كأنه ماء جار. نزعت المعطف. ودّت لو تخفّفت من بعض الثياب الأخرى، لكن لا وقت، لن تتوقّف. عليها أن تصل قبل الغروب
راقت لي هذه الرواية كثيرًا. فقد شدّتني بما تميّزت به من تشويق، لقد اتّخذت أسلوب الرواية البوليسيّة، ووقفت مع قضية المرأة دون إسفاف، تتحرّك فيها الحكاية بين فضاء الصحراء والقرية مع حضور المدينة.
أحمد السماويعندما تقرأ رواية "زمن الهذيان" لرفيقة البحوري، يهزّك هروب هاجر، تاركة وليدها، متّجهة إلى الصحراء. أصيبت بفقدان الذاكرة. (...) تطهّرت من أدران المدينة بما وجدته من حبّ وصفاء.
كأنّ لوثة النسيان قد طالت الراوي، يسند الرواية لهاجر تارة وينسى تارة أخرى هذا السند، فيتولّى هو رواية أفعالها. إنّه لعب بالنسيان والذّاكرة حكاية وسردا.
محمّد بن محمّد الخبورفيقة البحوري: جامعية درّست الأدب الحديث في الجامعات التونسية، ناقدة وشاعرة وكاتبة للأطفال، ناشطة في المجال الحقوقي وفي الساحة الثقافية.
صدر لها عدّة عناوين في مجال كتاب الطفل والدراسات النقدية والإبداعات.
-
لماذا تكتب حياتك؟ وأي حياة تستحق أن تكتب؟" سنلاقي الجواب في نهاية الطريق الأول من هذه الحياة حين يكتمل تعرفنا على حياة طفل عاش في الضنك وعرف وأهله المشاق والأهوال وأمكنه في معمعها أن ينتصر على الموت بإرادة البقاء، كأنما تنزع إلى الخلود وهي تخطب تدوين ذات بالكتابة.
أحمد المديني
"حنّة " هي واحدة من أهم تجارب السيرة الذاتية في تونس والوطن العربي، لا تستمد أهميتها ممّا توفّره من صور ومشاهد عن البيئة المحلية في الجنوب التونسي في الخمسينات من القرن الماضي فحسب وإنّما مما يعتمل فيها من تساؤلات حول السيرة الذاتية بوصفها موضوعا علميا انكب على دراسته المؤلّف ردحا من حياته الأكاديمية.
عامر أبو عزّة
الرواية السيرية "حنة" للروائي التونسي محمد الباردي اشتغل فيها صاحبها الناقد الدارس والروائي المبدع على تفاصيل حميمية ترتبط بمحكي الجسد من جهة ومحكي المكان من جهة ثانية خاصة لما للمحكيّين من تعالق كبير وأثر مهم في سيرورة حياة الشخصية المطروحة في أوراق حنة بكثير من الصراحة والجرأة التي تغيب عن كثير من النصوص الروائية التي تتكئ على محكي الذات الساردة.
بوخاري كريمة
محمّد الباردي
أكاديمي تونسي اختص بمجال السّرديات المعاصرة. وله عديد الكتابات عن إنشائية الرواية وما فيها من قضايا. روائي تجريبي كتب عديد النصوص الروائية الآسرة مثل الكرنفال وحنّة وديوان المواجع وشارع مرسيليا.