• هنا يسبق دوستويفسكي عالم النفس آدلر في تصويره عقدة النقص وما تفعله بصاحبها. ويسبق فرويد حين يصف لنا البنية نيتوتشكا التي تحب أباها (زوج أمها) وتكره أمها.. "شعرت نحوه بحب لا حدود له، حب ليس فيه شيء من طفولة" (عقدة إلكترا) وحين تُنقل نيتوتشكا إلى بيت أمير، تتعرف هناك بابنة الأمير، وتنشأ بين الفتاتين عاطفة هي حب الفرد فردًا من جنسه، الذي يحدثنا عنه فرويد: قبلات وعناق ونجوى ومسارات.. وتنشأ بينهما في الوقت نفسه صلات تصلح تجسيدًا لنظرية آدلر في "عقدة النقص" أو "مُركب الدونية"

    ويبدأ الجزء الثالث بقصة السيدة التي تحسن إلى اليتيمة فتضمها إليها وتحبها، فتبادلها الصبية الحب. ولكن نيتوتشكا تشعر بوجود شيء ما وراء ذلك التسليم الذي يبدو على سيدة البيت. فإنها تلاحظ أن السيدة تخفي القلق والاضطراب والخوف كلما بدت أسعد حالًا وأهدأ بالًا. ثم تكتشف السر: تعثر في كتاب لوالتر سكوت على رسالة قديمة أرسلها إلى إلكسندرين ميخائيلوفنا شاب يعترف بحبه، ويتركها إلى الأبد لأن الناس من حولهم أخذوا يروّجون الأقاويل. وتفهم نيتوتشكا السر في حزن "المتهمة البريئة" التي يسومها زوجها العذاب بسبب هذه الرسالة.

  • في العام ١٨٦٢، قام دوستويفسكي بأول رحلة له إلى الخارج. فمر بألمانيا ووصل إلى باريس، حيث لم يمكث فيها إلا عشرة أيام، ثم سافر إلى لندن لمدة أسبوعين، عاد بعدها إلى باريس ثانية، فقضى فيها أسبوعين آخرين، ثم تركها إلى جنيف مارًا بمدينة بال. وفي جنيف التقي بصديقه نيقولا ستراخوف، فزار الصديقان إيطاليا معًا. وقد كتب ستراخوف بعد ذلك يقول: "لا الطبيعة ولا المباني ولا آثار الفن كانت تعنيه، فإنما كان ينصرف انتباهه كله إلى الناس." إن هذا الغائص العظيم إلى أعماق النفوس يوجه انتباهه كله إلى البشر في الشوارع وفي المسارح وفي المقاهي. إنه يحاول أن يفهم سيكولوجية كل شعب أثناء هذه الرحلة الخاطفة التي استغرقت نحو شهرين.

    وعندما نشر دوستويفسكي هذه "الذكريات" لم يتحدث فيها عن رحلته إلا قليلًا، وإنما هو يستخدم هذه الرحلة ليعرض آراءه في تاريخ روسيا وفي وضعها، وليتهكم على البلاد التي مر بها، ليتهكم على ألمانيا وإنجلترا، وعلى فرنسا خاصةً، حيث يستهل الكلام عنها بجملة قالها فونفيرين، وهي أن "الفرنسي محروم من العقل، ولو أوتي عقلًا لعدّ ذلك أكبر شقاء يصيبه". ثم لا يذكر إيطاليا أو سويسرا بخير أو شر.

    رواية "العذبة" واحدة من أشهر أعمال دوستويفسكي، حيث نجده يغوص في النفس البشرية لرجل يقف أمام جثة زوجته. ويأخذنا إلى ماضي العلاقة بين رجل تصرّف بقساوة مع امرأته، حتى لم يعد ينفع تراجعه الذي لم يعلنه لها، فانتحرت.

     
  • رجل من المجتمع الراقي في العاصمة، يصل ذات يوم إلى مدينة في الأقاليم، فيغازل امرأة موظف مسن محدود الدخل، فلا يلقى في إغوائها عناء.. ويعود الرجل المغوي إلى العاصمة، وتموت المرأة، ولا يبقى سوى المغوي والزوج. ويطّلع الزوج على ما حصل بين الرجل وزوجته حين تقع بين يديه رسائل مرسلة من زوجته المتوفاة. إن ما صوره دوستويفسكي في هذه الرواية، هو المواجهة بين الشخصين، الزوج والعشيق.. مواجهة بين نوعين من الرجال: زوج أبديّ، يعيش مع امرأة، ورجل يغوي النساء ولكنه لا يعيش مع امرأة.. بل هو متوحّد ومنعزل.. أما المرأة فلا يملكها أي منهما. وهذا هو الظرف الإنساني الذي نراه في مرآتهم جميعًا. ها هو المغوي يشعر نحو "الزوج الأبدي" بشفقة يمازجها احتقار ويقول عنه "إن إنسانًا كهذا إنما يولد ويكبر لا لشيء إلا ليتزوج ويصبح تتمة لزوجته." لكن دوستويفسكي يجعل حياة الشخصين تتقاطع، كأن هناك نوعًا من المغناطيسية تقرّب أحدهما من الآخر. حتى إن الزوج يصطحب غريمه ذات يوم إلى خطيبته الجديدة.. وهنا نرى المغوي كأنما يحركه شيطان، فيفتن الفتاة..

  • في هذه الحكاية المضحكة، بعنوان التمساح، يحس القارئ بتأثير من جوجول في دوستويفسكي. إنها تذكّر بقصة جوجول عن مغامرة "الأنف" العجيبة. وهذا ما يعترف به دوستويفسكي نفسه. فكما تخيّل جوجول في سبيل الإضحاك أنفًا يتخذ وجه إنسان، كذلك تساءل دوستويفسكي، حين رأي تمساحًا جيء به إلى مدينة بطرسبرج: فما عسى أن يفعله إنسان يبتلعه هذا الحيوان حيًا؟ وهكذا ألّف دوستويفسكي حكاية مضحكة تشتمل على نقد للأفكار التي كانت رائجة حوالي العام 1860. إن بطل القصة، وهو موظف ليبرالي، يحس بارتياح في جوف التمساح. فهو يستطيع أن يضع هناك نظرية اقتصادية جديدة، وأن يفي محاضرات عن التاريخ الطبيعي في صالون زوجته التي يؤخذ إليها التمساح. والموظف الكبير تيموتي سيميوفتش، الذي تلجأ إليه زوجة الرجل مروعة مذعورة، يجيبها بأن التمساح لا يمكن أن يُبقر بطنه، لأن صاحبه أجنبي، ولأن روسيا محتاجة إلى رؤوس أموال أجنبية. لقد أثارت هذه القصة الاهتمام لأن دوستويفسكي اتُهم بأنه يهاجم الفيلسوف تشرنيشفسكي وجريدة "الصوت" اليسارية، وهو ما نفاه دوستويفسكي.

    لقد أراد دوستويفسكي من قصة زوجة آخر ورجل تحت السرير أن يقدم قصة هزلية، فهذه القصة أشبه بمسرحية من نوع "المسخرة"، حيث نرى زوجًا غيورًا ينتظر خروج زوجته في موعد غرامي ليقبض عليها متلبسة بالجرم، ثم نراه يدخل في حديث مع شاب هو عشيق الزوجة وكان ينتظرها هو أيضًا. ثم تخرج الزوجة مع شخص ثالث.. بعدها نرى الزوج الغيور يدخل بيتًا لا يعرفه، وعند وصول صاحب البيت يختبئ تحت السرير حيث يجد شابًا قد سبقه إلى الاختباء هناك.

  • الديمقراطية هي الأساس ليس لفهم المشاكل وإنما للتعامل معها. وبمقدار حضورها كممارسة يومية، وكقواعد وتقاليد، تضعنا في مواجهة مباشرة مع المسؤولية، وتضطرنا، مجتمعين، للبحث عن الحلول ومراقبة تطبيقها وتحمل نتائجها، كما أنها تترك الباب مفتوحاً لمواصلة الاجتهاد والمراجعة والتطوير، بحثاً عن صيغ أفضل من خلال الارتقاء بالحلول التي تم التوصل إليها في وقت سابق. وهكذا تصبح الديمقراطية شرط التطور ووسيلته في آن، وتصبح الطريقة الفضلى لتجنيب المجتمع الهزات أو الانقطاع، وأيضاً الصيغة التي تفسح المجال أمام المشاركة القوى الحية والفاعلة والجديدة في تحمل المسؤولية. هذا الفهم للديمقراطية يجعلها الوسط أو المناخ الحقيقي للتفاعل وتبادل الخبرات والمشاركة، وبالتالي القاسم المشترك مع جميع القضايا الصغيرة والكبيرة

  • مرة أخرى يدخل دوستويفسكي عالم ملؤه المشاعر بكل أنواعها، فهنا نجد الحالات القصوى من الحب والعطف والشفقة والمواقف النبيلة، والاستعداد عير المحدود للتضحية، كما نجد الشر والظلم والكراهية والقسوة والتجبّر والكبرياء الذي يؤدي إلى التصرفات الغبية

    في هذه الرواية يقدم دوستويفسكي رؤيته لما في الحب الجارف من التباس وتناقضات، بل من ذل. وكيف أن هذا الحب حين يكون متطرفًا يدفع فيه الطرف الضعيف ثمنًا غاليًا. وهذا هو حال ناتاشا التي منحت قلبها وهجرب أهلها مضحية بكل شيء من دون تردد، فكانت مضطرة إلى تحمل تبعات هذا الحب، ومواجهة الشر الذي يمثله الأمير والد محبوبها أليوشا، والتغاضي عن ضعف حبيبها الطفولي وانقياده لأهوائه، وحتى تقبّل حبه لامرأة أخرى

    إضافة إلى النماذج العجيبة لشخصيات الرواية، وعوالمها الغريبة، فإن ما يجعل القارئ ينشد للرواية ويتابعها بشغف هي قصة الفتاة نللي ابنة الظلم والمعاناة والتي تحولت إلى متسولة في طفولتها حتى لا تخالف وصية أمها التي اوصتها وهي على فراش الموت بألا تذهب إلى الأغنياء حتى لا تفقد كرامتها

    يقول جورج هالداس عن الرواية: "إنها مدخل جيد إلى متاهة دوستويفسكي التي تشكل رواية "مذلون مهانون" المرحلة الأولى منها.

    إن ترجمة الدكتور سامي الدروبي ليست مجرد نقل نص إلى العربية، بل هي إبداع مترجم عشق أعمال دوستويفسكي، فنقل لنا ترجمة مبدعة أقرّ قراء دوستويفسكي بالعربية بأنها لا تُضاهى.

  • نُشرت قصة موت معلن عام 1981، ونالت شهرة واسعة. تروي قصة اغتيال سنتياغو نصّار على يد التوأمين فيكاريو. منذ بداية القصة يعلَن أن سنتيافو نصّار سيموت: إنه الابن الشاب لمهاجر عربي، والمتّهم في هتك شرف أنخيلا، أخت التوأمين، وكانت قد تزوجت في اليوم السابق، فرفضها زوجها لأنها ليست عذراء، وأعادها إلى أهلها.

    "لم يكن هنالك قط موتًا معلنًا كهذا"، وهذا ما يقوله من يتذكر الوقائع بعد سبع وعشرين عامًا من حدوثها: فالمنتقمان لم يتوقفا عن التصريح بنيتهما قتل سنتياغو نصار أمام القرية كلها، كما لو أنهما يريدان تجنّب ما فرضه عليهما القدر، لكن مجموعة من المصادفات تحول دون أن يتمكن من التدخل من هم قادرون على منع وقوع الجريمة، وبعض هؤلاء لم يصدّقوا، أو لم يحسموا أمرهم ويقررون التدخل إلى بعد فوات الأوان. وحتى سنتياغو نفسه يستيقظ في ذلك الصباح بلا هموم أو قلق، جاهلًا تمامًا بأمر الموت الذي ينتظره.

  • في هذه الرواية البديعة تُروى قصة سييرفا ماريا دي تودوس لوس أنخيلس، طفلة في الثانية عشرة من عمرها، وابنة غير مرغوب فيها للماركيز كاسالدويرو وزوجته الثانية، الخلاسية الشبقة برناردا كابريرا. وبسبب كراهية الأم لسييرفا وعدم اهتمام الأب الماركيز بالطفلة، تتولّى العبدة الزنجية دومينغا دي أديفينيتو تربيتها؛ وسط عبيد زنوج، يؤمنون بتقاليد اليوربا، تعيش الطفلة سعيدة. لكن مصير سييرفا يتبدّل عندما يعضّها كلب. وحين يعلم الماركيز بأمر هذا الحادث، يأخذ ابنته إلى الطبيب اليهودي أبرينونثيو، الملحد والمتنوّر، فيجد أن الطفلة غير مصابة بداء الكَلَب ولكن ما يلاحظه هو مشكلة نقص في السعادة. يذهب الماركيز في ما بعد لرؤية المطران ويعترف له بنزوعه إلى الشك وفقدانه الإيمان، كما يخبره بحالة ابنته. فيؤكد المطران، ممثل محاكم التفتيش، أن الطفلة مصابة بمس من الشيطان، وأنه لابد من طرد الشيطان منها من أجل خلاصها. بعد هذه الزيارة يقرر الماركيز إدخالها دير سانتا كلارا.

  • في عيد ميلاده التسعين يقرر بطل هذه القصة، الصحفي المغمور والأعزب الهرم، أن يهدي نفسه ليلة ماجنة مع مراهقة عذراء. العذراء التي قدمتها صديقة قوادة قديمة، هي شابة صغيرة ذات جمال من نوع خاص، تتحول الليلة الساخنة إلى سنة من التغيرات الكبرى في حياة البطل. يعيش من خلال ذكرياته المتدفقة مرة أخرى وقائع مغامراته الجنسية مدفوعة الأجر وتجاربه في بوح يوصله إلى حافة الموت، ليس بسبب كبر السن، ولكن بسبب حب نقي خالص طال انتظاره. ذكريات غانياتي الحزينات تحفة مذهلة يرويها معلم محترف.

     
  • Out of stock

    في هذا العمل الجميل الذي يدور حول "عمّـان في الأربعينات" ترتبط الكتابة الروائية، بالجسد والتعبير، فتستحضر الأشخاص كما حفظتهم الذاكرة، كيف عاشوا وكيف كانت العلاقة معهم، كما يستحضرون بالرسم على الورق، فهذا عارف الفران والقرطباوي والشيخ سليم والشيخ زكي وأم علي الشرشوحة والجمعان وأم متري.. وقد تجسدوا عبر جمع صورة الذاكرة مع الرسم. يعيدنا عبد الرحمن منيف، إلى عمّـان الأربعينات، مقدماً وثيقة هامة لمدينة عمّـان وأشخاصها، حددت مصير جيلين، وكانت عقدة لمسيرة فاجعة في تاريخنا المنكوب من الأربعينات وحتى اليوم.

  • هذا الكتاب الذي يحمل عنوناً محدداً: "بين الثقافة والسياسة" يهدف بالدرجة الأساسية إلى طرح عدد من المشاكل، هي أقرب إلى الأسئلة أكثر مما يدعي تقديم الإجابات الكاملة أو الحلول.

    فعلاقة الثقافة بالسياسة إشكالية كبرى في هذه المرحلة، لأن الخيبات الكثيرة التي تلاحقت خلال المراحل الأخيرة ولدت مناخاً ملتبساً، وهذا المناخ حمل معه أوهاماً، الأمر الذي يقتضي فتح حوار واسع من أجل الوصول إلى صيغة جديدة تحدد العلاقة بين الثقافة والسياسة وبين المتثقفين والسياسيين.

    وما يقال عن الثقافة والسياسة، يقال عن علاقة الإعلام بالثقافة ودور المثقف في المرحلة الراهنة، والنظرة إلى عصر النهضة، الصعود والإخفاق، وأيضاً الانهيار الكبير والمدوي للاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي دون أزمة سياسية أو هزيمة عسكرية، وحول تأثير النفط على المنطقة العربية بأسرها. هذه الموضوعات، وأخرى غيرها، رأيت أن تطرح كإشكاليات تتطلب إعادة الدرس والتأمل، لأن عن هذا الطريق يمكن أن نقرأ الأحداث والظواهر قراءة هادئة وموضوعية، تمهيداً لفهمها ثم التعامل معها بصيغة أفضل.

  • أم النذور، رواية ذلك الطفل في مواجهته الأولى للحياة خارج منزله. عالم الكتاب حيث الشيخ زكي الذي يقوم بتعليم الأطفال، وأداته الأساسية في التعليم: قضبان متفاوتة الأطوال. إنه رمز لعملية التطويع. أماكن طالما سمع أسماءها، وتأثيراتها في المجتمع: أم النذور، الشيخ مجيب، الشيخ درويش، النهر، الموت، شخصيات المجتمع الهامشية...

    خوف شديد مستبد، يواجه الطفل سامح منذ ملامساته الأولى للمجتمع، ذلك الخوف الذي يجعل الجميع خاضعين لقوى ولأساطير ولأوهام تجعلهم عاجزين عن المواجهة، فيتحولون مثل أمه الخاضعة لوالده، كما لتلك المرأة التي تكتب الرقى أو تحضر الأدوية المرة كالعلقم.

    "أن النذور، هذه الشجرة المقدّسة، حتى الآن، إذا جلست النسوة في باحات البيوت، أيام الصيف والخريف، وهبت ريح من جهة الغرب حاملة معها رائحة الرطوبة، تتنسم كل امرأة رائحة أم النذور، وتغمض عينيها وتتمنى!

    والقصص التي تروي عن الأماني المستجابة كثيرة ومتداخلة، ثمارها أكثر من أوراقها... تشفي من الأمراض وتعيد المسافرين وتكشف المسروقات. حتى أن بركات الشيخ وأن النذور أصابت الجميع.

Go to Top